نحن لا ندافع عن الأفكار… بل عن أنفسنا داخلها
نحن لا ندافع عن الأفكار… بل عن أنفسنا داخلها
في عصرٍ أصبح فيه كل إنسان قادرًا على امتلاك منصة، صار العالم أكثر ضجيجًا… لكنه ليس بالضرورة أكثر فهمًا.
لم يعد الناس يتناقشون دائمًا بحثًا عن الحقيقة، بل كثيرًا ما يتناقشون دفاعًا عن صورة صنعوها لأنفسهم داخل أفكارهم، حتى تتحول الفكرة بالتدريج من “رأي” إلى جزء من الكرامة الشخصية.
وهنا تبدأ المشكلة.
هناك لحظة غريبة في حياة الإنسان…
لحظة لا يكتشف فيها الحقيقة، بل يكتشف نفسه وهو يهرب منها.
ولعل أكثر ما يربك النفس البشرية ليس أن تكون جاهلة،
بل أن تكون قد بنت جزءًا من كرامتها فوق شيءٍ اتضح لاحقًا أنه ربما لم يكن صحيحًا أصلًا.
لهذا لا تكون المعارك الفكرية دائمًا معارك أفكار…
أحيانًا تكون معارك جروح قديمة ترتدي هيئة “آراء”.
الإنسان كائن هش أكثر مما يبدو.
نحن نظن أننا نختار أفكارنا بعقولنا، لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من أفكارنا يختارنا عبر مخاوفنا، ونواقصنا، ورغبتنا العميقة في الشعور بالأمان داخل عالم مرتبك.
ولهذا يصبح بعض البشر مستعدين لخوض حرب عالمية ثالثة دفاعًا عن نظام غذائي، أو فريق كرة، أو حزب سياسي، أو شيخ، أو كاتب، أو حتى هاتف محمول.
الأمر يبدو مضحكًا في ظاهره…
لكنه في حقيقته مأساة نفسية شديدة العمق.
لأن الإنسان لا يدافع وقتها عن “الفكرة” ذاتها،
بل عن النسخة التي صنعها من نفسه داخل هذه الفكرة.
ذلك الرجل الذي قضى سنوات يخبر الناس أن الكيتو هو طريق النجاة الوحيد، لا يناقشك حين تنتقد الكيتو…
هو يسمعك تقول له ضمنيًا:
“ربما كنت مخدوعًا كل هذه السنوات.”
والموظف الذي أفنى شبابه في وظيفة تسرق روحه كل صباح، لا يغضب لأنك انتقدت الوظيفة…
بل لأنك أيقظت فيه ذلك السؤال المرعب:
“ماذا لو ضاع عمري فعلًا؟”
حتى العلاقات البشرية تخضع للقانون نفسه.
كم من إنسان استمر في علاقة تستنزفه فقط لأنه لم يحتمل فكرة أن كل هذا الحب، وكل هذا الصبر، وكل هذا الألم… ربما كان في الاتجاه الخطأ؟
إن الاعتراف بالخطأ ليس قرارًا عقليًا بسيطًا كما يتصور الفلاسفة وهم يحتسون القهوة في الكتب الهادئة.
الاعتراف بالخطأ عند بعض الناس يشبه اقتلاع قطعة من الروح بالملقاط.
ولهذا تجد أن بعض البشر مستعدون لتصديق أكثر الأفكار غرابة، شرط ألا يضطروا لمواجهة تلك اللحظة الباردة أمام المرآة:
“لقد كنت مخطئًا.”
ومن هنا نفهم سر التعصب الإنساني.
التعصب ليس دائمًا نتاج قوة الفكرة…
بل أحيانًا نتاج خوف صاحبها من انهيار صورته عن نفسه إذا سقطت.
ولهذا كان المتعصبون أكثر الناس هشاشة من الداخل.
إنهم يشبهون ذلك الرجل الذي يقف أمام جدار متصدع واضعًا يديه عليه بكل قوته، ليس لأنه يحب الجدار… بل لأنه يعرف أنه إن سقط، سيسقط معه شيء بداخله.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي قد صنعت أسوأ بيئة ممكنة لهذا الضعف البشري.
الخوارزميات لا تحب المتردد الحكيم.
ولا تكافئ الإنسان الذي يقول:
“الأمر يحتاج دراسة.”
هذا الرجل مكانه الطبيعي غالبًا زاوية هادئة في مكتبة قديمة… لا “الترند”.
أما الواثق بجنون، الصارخ كأنه اكتشف أسرار الكون المخفية، فهو البطل المثالي لهذا العصر.
ذلك الذي يحدثك بثقة مطلقة عن المؤامرات ، والحقائق التي “لا يريدونك أن تعرفها”، والدواء السحري، والطريق الوحيد للنجاة…
كلما كان أكثر يقينًا وأقل علمًا، زادت فرص انتشاره.
وهذه مفارقة مخيفة.
لأن العلم الحقيقي متواضع بطبيعته.
الطبيب الحقيقي يعرف كم يجهل.
والعالم الحقيقي يعرف أن كل إجابة تفتح باب عشرة أسئلة جديدة.
أما الجاهل، فهو وحده الذي يملك تلك الطمأنينة المطلقة.
ولهذا كانت كلمة:
“لا أعلم”
من أثقل الكلمات على النفس… وأعظمها عند العقلاء.
لقد كان الأئمة الكبار يرتجفون أحيانًا قبل الفتوى، بينما صار بعض الناس اليوم يمنحونك آراء مصيرية في الدين والطب والسياسة والاقتصاد بعد مشاهدة مقطع مدته ثلاث دقائق مصحوب بموسيقى حماسية وصور مجرات.
إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس الجهل…
بل أن يتحول الجهل إلى هوية.
حينها لا يعود يناقش ليصل إلى الحقيقة،
بل يناقش ليحمي نفسه من الانهيار.
ومن هنا تصبح بعض الحوارات مستحيلة.
أنت تظن أنك تناقش فكرة…
بينما الطرف الآخر يشعر أنك تقترب من ندبة قديمة حاول طويلًا أن يغطيها بالشعارات والثقة والانفعال.
ولهذا يغضب الناس أحيانًا بطريقة تبدو أكبر كثيرًا من حجم النقاش نفسه.
لأن القضية لم تعد “رأيًا”.
لقد أصبحت شيئًا شخصيًا جدًا.
وربما لهذا السبب تحديدًا كان التواضع المعرفي من أندر الفضائل البشرية.
أن يستطيع الإنسان أن يقول:
“ربما أكون مخطئًا.”
هذه ليست جملة سهلة كما تبدو.
إنها تحتاج شجاعة روحية هائلة.
شجاعة أن تنقذ الحقيقة… حتى لو جرحت صورتك القديمة عن نفسك.
ولهذا كان بعض الناس أقرب إلى النجاة من غيرهم، لا لأنهم أذكى، بل لأنهم أقل تعلقًا بذواتهم.
أكثر قدرة على مراجعة أنفسهم.
أقل خوفًا من الاعتراف بأنهم بشر…
وأن البشر يخطئون.
وربما لهذا أيضًا قال بعض الحكماء قديمًا:
إن الإنسان لا يصل إلى الحكمة حين يعرف الكثير…
بل حين يتصالح أخيرًا مع فكرة أنه قد يكون مخطئًا.
✍️ابن السيد


تعليقات
إرسال تعليق